بقلم حسن النجار: سيناء عادت.. من دماء المقاتلين إلى نهضة العبور
حسن النجار الكاتب الصحفي والمفكر السياسي في الشؤون السياسية الدولية
اللوطن اليوم الاخبارية – مقالات وراي – 23 ابريل 2026
بقلم | حسن النجار
في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، توالت الذكريات لتسطر أعظم ملاحم الانعتاق من قيد المحتل، وتعلن استرداد الذات المصرية التي لا يكتمل بهاؤها إلا بعودة سيناء إلى أحضان السيادة الوطنية. يومها امتزجت دماء المقاتلين بقداسة الثرى الذي شهد نزول الوحي وتشرف بنور الخالق فوق قممها الشامخة،
فغدت الأرض رمزاً للشرف وعنواناً للهوية، تصهر التاريخ بالحضارة في بوتقة العقيدة الراسخة، التي لا تلين أمام عواصف الزمن، بل تزداد تجذراً ورفعة.
انقشع ضباب الاحتلال عن ثرى الوطن مدحوراً، يجر أذيال الخيبة أمام إرادة مصرية صلبة، خاضت غمار الميادين قتالاً وتفاوضاً. تضافرت بسالة المقاتل مع حكمة الساسة الذين أداروا معركة النفس الطويل في أروقة القانون الدولي بكل صبر واقتدار، حتى استقام الحق لأصحابه، وبرهن الشعب للعالم أجمع أن كرامة الأرض من قدسية العرض، فلا مهادنة في سيناء.
تلك البوابة الشرقية التي تتربع على ستين ألف كيلومتر مربع من السحر والتاريخ، وتصل بين قارتي العالم القديم برباط جغرافي فريد،
تجعل من قلب آسيا النابض في جسد مصر حلقة وصل استراتيجية بين البحرين وخليجيهما. تظل سيناء على الدوام حصن الحضارة ورمز الانتصار الذي لا يقبل الانكسار.
تنبض الشخصية المصرية بعقيدة راسخة قوامها الافتداء وبذل الروح في سبيل صون التراب الوطني. يتوارث الأبناء جيلاً بعد جيل وصية الدفاع عن الأرض التي لا تقبل ضيماً، ولا تطيق بقاء غاصب فوق ثراها الحر.
يسجل التاريخ بمداد الفخر تلك الروح الوثابة المازجة بين دقة التخطيط وبسالة التنفيذ، مما يبث الرعب في نفوس المتربصين الذين يدركون طبيعة هذا الشعب المتفرد في صموده وإقباله على ميادين الشرف بكل شجاعة وإقدام، ليظل دائماً عصياً على الانكسار، وفياً لموروثه النضالي مهما تعاظمت التحديات أو تبدلت ملامح الزمان.
يتسم الوجدان المصري بصبر استراتيجي ويقين راسخ يجعل من الدفاع عن الأرض معركة وجودية لا تقبل القسمة على الهزيمة. تتوارى قلة الإمكانيات المادية أمام عنفوان الإرادة وقوة الجأش التي تسكن النفوس المؤمنة برباطها الأبدي.
هذا الثبات هو الرهان الرابح في ميادين القتال وطاولات التفاوض على حد سواء. استطاع الجيش الأبي أن يصوغ واقعاً جديداً فرض فيه كلمة الوطن من موقع الاقتدار لا الاستكانة،
ليبرهن للعالم أن السلام المصري ضرورة يحميها السلاح ويسندها شعب جسور يصطف كالبنيان المرصوص خلف حماته، مما زلزل كبرياء العدو وأحال غروره هباءً تحت أقدام المقاتلين الذين جعلوا من التضحية جسراً نحو النصر المجيد.
ارتسمت في ذاكرة الأمة تفاصيل ذلك المشهد المهيب حين عانق العلم المصري آفاق رفح وشرم الشيخ، ليعلن سيادة الحق وانكسار الباطل في يوم غدا عيداً قومياً محفوراً بالهيبة في وجدان الشعب.
صليل السيوف لا بد أن تتبعه حكمة العقول في ساحات الدبلوماسية الدولية، لتكتمل ملاحم التحرير وتسترد الأرض كرامتها كاملة غير منقوصة.
انطلقت مرحلة جديدة من النضال جسدتها رؤية القيادة السياسية في تدشين نهضة تنموية شاملة، حولت ربوع سيناء إلى ورشة عمل كبرى ومشروعات قومية عملاقة تستقطب طاقات المصريين وتجذر وجودهم في قلب أرض الفيروز، باعتبار البناء هو الحارس الأمين للأمن القومي والردع الحقيقي لكل طامع.
تجاوز الاحتفاء بتحرير أرض الفيروز حدود الذكرى العابرة، ليستحيل واقعاً ملموساً من النهضة الشاملة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر شرايين الأنفاق العملاقة التي ربطت قلب سيناء بمدن القناة.
مشهد هندسي باهر يعززه بريق الجسور المعلقة وشبكات الطرق الدولية، لتتكامل مع ثورة زراعية وصناعية وتجمعات عمرانية حديثة تضمن توطين الحياة وصون الأمن القومي في أغلى البقاع.
تجسدت الرؤية السياسية الرشيدة في تحويل الطبيعة البكر إلى أيقونة عالمية للسياحة، تجمع بين قداسة جبل موسى وعراقة سانت كاترين وسحر شواطئ شرم الشيخ. تظل سيناء حاضنة للتاريخ ومنارة للمستقبل الواعد الذي يزهو بجمالها الفريد وتفرد مكانتها في قلب الشرق الأوسط.
طموح القيادة السياسية لم يتوقف عند تشييد الصروح المادية، بل امتد ليشمل صياغة الإنسان السيناوي وتمكينه كركيزة أساسية في بناء الوعي الوطني وتعميق قيم الولاء والانتماء. المواطن اليوم شريك فاعل في حماية مقدرات الدولة، محصن ضد زيف الشائعات بروح يسودها الإقدام والتضحية في سبيل رفعة الوطن.
لا تراجع اليوم عن عهد الإعمار، الذي يلفظ التهميش ويقطع الطريق أمام بؤر الضلال والمنحرفين. جيش مصر الأبي يرابط بعين لا تنام،
ليحيل أطماع المعتدين سراباً ويحمي قدسية أرض الفيروز الباقية واحة للأمن والاستقرار تحت ظلال دولة قوية ومؤسسات وطنية تحفظ لمصر عزتها وتصون ترابها المقدس أبد الدهر.
حفظ الله مصر – حفظ الله الوطن – حفظ الله الجيش المصري – رحم الله شهدائما الابرار ؟







